تحاول دول أفريقية إنشاء نظام مالي جديد يتيح إجراء المعاملات بالعملات المحلية، في خطوة قد تعيد تشكيل طريقة التجارة والمدفوعات عبر القارة. وفي تقرير أعدّه مصطفى محمد، يستعرض الكاتب توسع نظام الدفع والتسوية الأفريقي «بابس» (PAPSS)، وانضمام بنوك مصرية إليه، إلى جانب خطط لربط تطبيق «إنستا باي» بالنظام بما يسمح بإجراء معاملات شخصية بين الأفراد.


ويبحث تقرير «المنصة» في مزايا النظام الجديد وقدرته على تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي والعملات الأجنبية في التجارة البينية الأفريقية، بعدما أصبح النظام يعمل كشبكة مصرفية تتيح لدولتين أفريقيتين إجراء معاملات تجارية مباشرة بعملاتهما المحلية، بعيدًا عن بعض الوسطاء الماليين خارج القارة.

 


ما مزايا نظام الدفع الأفريقي؟


أطلق الاتحاد الأفريقي وبنك التصدير والاستيراد الأفريقي «أفريكسيم بنك» نظام الدفع والتسوية الأفريقي في غانا عام 2022، بهدف تجاوز البنوك الوسيطة الخارجية والعملات الأجنبية الرئيسية عند تسوية المعاملات العابرة للحدود. وانضم البنك المركزي المصري إلى الشبكة بعد ذلك بعامين.


وخلال زيارته إلى مصر في سبتمبر، قال الرئيس التنفيذي لنظام «بابس»، مايك أوجبالو، إن النظام يضم حاليًا 30 دولة أفريقية من أصل 41 بنكًا مركزيًا، بما يعكس سرعة توسع النظام في أنحاء القارة.


وأوضح الخبير الاقتصادي محمد أنيس لـ«المنصة» أن الأموال لا تنتقل مباشرة، في نظام التجارة التقليدي عبر الحدود، من بنك الدولة المستوردة إلى بنك الدولة المصدرة، بل تمر المعاملات عبر بنوك وسيطة خارج القارة، باستخدام عملات دولية مثل الدولار.


وأشار أنيس إلى أن الميزة الأساسية لنظام «بابس» تتمثل في إتاحة التبادل التجاري المباشر بين دولتين أفريقيتين دون الحاجة إلى وسطاء أو الاعتماد على العملات الرئيسية.


ولفت خالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، إلى أن هذه الروابط الوسيطة تضيف وقتًا وتكاليف إلى عمليات الاستيراد، ما يحد من فرص نمو التجارة الأفريقية.


وأكد أبو المكارم لـ«المنصة» أن نظام الدفع الجديد سيساعد الدول الأفريقية على تجاوز أكبر تحديات التجارة، والمتمثل في توفير العملات الأجنبية الصعبة اللازمة لإتمام المعاملات.

 


ماذا تقول الأرقام؟


قال أوجبالو، خلال وجوده في مصر، إن «بابس» خفّض تكلفة التحويلات داخل القارة بما يصل إلى 95%، إلى جانب تقليص مدة تنفيذ المعاملات من عدة أيام إلى 120 ثانية كحد أقصى، بمتوسط لا يتجاوز 7 ثوانٍ للعملية الواحدة.

ولا تقتصر أهمية النظام بالنسبة إلى الشركات على خفض رسوم التحويل، وإنما تمتد إلى تقليص الوقت اللازم لإتمام المعاملات. فكل يوم إضافي وكل خطوة وسيطة يرفعان التكلفة الإجمالية للمعاملة. وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، إذ يمكن أن يجعل خفض تكلفة التسوية ومدتها بعض الصفقات الصغيرة أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، بحسب أبو المكارم.


وأشار مينا رفيق، المحلل الأول في شركة «برايم إنفستمنتس»، إلى أن تسوية المعاملات بالعملات المحلية تقلل أيضًا حاجة الدول الأفريقية إلى تكوين احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، التي ترتفع تكلفة الحصول عليها بصورة كبيرة خلال فترات ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية.


ورغم وصول احتياطيات مصر من النقد الأجنبي إلى مستويات غير مسبوقة، فإن تكوين هذه الاحتياطيات دفع الحكومة إلى إبرام صفقات كبيرة لبيع الأراضي والحصول على قروض أجنبية بهدف تعزيز الثقة في الجنيه.

 


هل يمكن التخلص فعليًا من هيمنة الدولار؟


يتزامن إطلاق نظام «بابس» مع دعوات إلى الحد من هيمنة الدولار على المعاملات الدولية، وعلى رأسها الدعوات الصادرة عن مجموعة «بريكس».


وتشير بيانات توزيع العملات المكونة لاحتياطيات النقد الأجنبي عالميًا إلى تراجع حصة الدولار من 70% في بداية الألفية إلى نحو 57% حاليًا، وهو ما يعكس توجه عدد من الدول إلى تقليل اعتمادها على العملة الأمريكية.


لكن أبو المكارم حذر من المبالغة في التوقعات بشأن انتهاء دور الدولار كوسيط في التجارة العالمية. وقال إن الدولار سيظل مهمًا في بعض المعاملات، بينما يمكن أن تتوسع عمليات التسوية بالعملات المحلية تدريجيًا وفقًا لظروف كل سوق.


وأشار أبو المكارم إلى محدودية التجارة البينية داخل القارة باعتبارها أحد أبرز العوائق أمام توسع النظام، موضحًا أن تسهيل حركة الأموال لا يعني تلقائيًا زيادة حجم التجارة. وأضاف أن المصدرين المصريين لا يزالون يواجهون عقبات كبيرة تتعلق بالتمويل والتسويق والخدمات اللوجستية وثقة العملاء والامتثال للمتطلبات التنظيمية عند دخول أسواق جديدة.


وشكلت التجارة بين مصر والدول الأفريقية نحو 6.3% من إجمالي التجارة المصرية خلال عام 2025، إذ بلغت حصة الدول الأفريقية 15.4% من إجمالي صادرات مصر و1.6% من إجمالي وارداتها. وبناءً على ذلك، يحد ضعف حجم التجارة من تأثير النظام في احتياطيات النقد الأجنبي، رغم أهميته في تقليل الاعتماد على الدولار، وفقًا لما أكده رفيق.


ويتوقع أنيس أن تظل معاملات الأفراد داخل القارة محدودة أيضًا، وهو ما سيقلل من تأثير ربط «إنستا باي» بنظام الدفع الأفريقي الجديد.


ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت قيمة تحويلات المصريين العاملين في دول الاتحاد الأفريقي 191 مليون دولار خلال السنة المالية 2024/2025، بينما سجلت تحويلات العاملين من دول الاتحاد الأفريقي في مصر 26.2 مليون دولار خلال الفترة نفسها.


ومع محدودية المعاملات التجارية بين مصر والدول الأفريقية، تشير بيانات التجارة خلال العقد الأخير إلى نمو قوي في الصادرات المصرية منذ عام 2020، وهو ما قد يمهد لتوسع المعاملات المالية بين الجانبين.


وقال أحمد زكي، الأمين العام لشعبة المصدرين بالاتحاد العام للغرف التجارية ورئيس لجنة الشؤون الأفريقية بالشعبة، إن الاضطرابات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة أوجدت فرصًا إضافية أمام الصادرات المصرية. فقد تسببت جائحة كورونا في اضطراب سلاسل الإمداد في الصين وشرق آسيا، ثم زادت الحرب الروسية الأوكرانية من حدة الصعوبات.


وأوضح زكي لـ«المنصة» أن استمرار نمو الصادرات المصرية إلى أفريقيا يتطلب استغلال هذه الفرص بكفاءة أكبر، وهو ما يزيد أهمية نظام «بابس» في الوقت الراهن.


وسيكون الاختبار الحقيقي للنظام هو مدى نجاح تبسيط عمليات الدفع في ترجمة ذلك إلى زيادة ملموسة في التجارة البينية الأفريقية، وإحداث تحول فعلي في الاعتماد على العملات الأجنبية الرئيسية.